معادلة القرآن × الإنسان = الواقع

إن البحث في موضوع القرآن الكريم كمنهج حياة وكدستور لهذه الأمة وكمنطلق لقيام الحضارة الإنسانية المنشودة، من المواضيع التي شدت انتباه العديد من المفكرين والعلماء - وحتى طلبة العلم البسطاء مثلي- وهذا نتاج تأملنا في واقع أمتنا "أمة القرآن الكريم" فقد حدث شرخا كبيرا بينها وبين معانيه وتعاليمه والسبيل الذي يدعو إلى إتباعه :" وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ " (الأنعام153)، وينحدر وضع الإنسان فيها والمجتمع الإسلامي كله نحو أسفل سافلين - بعد أن كان في أعلى عليين في العصر المشرق للأمة-  وهذا مع إيماننا العميق أن القرآن الكريم الذي هو آخر الكتب المنزلة وهو أشملها، وأكملها ما كان ليكون طرفا سلبيا في المعادلة التفاعلية بينه وبين الإنسان، ولكن كيف يمكننا أن نفهم هذه المعادلة أو بمعنى أبسط العلاقة بين القرآن والإنسان من جهة والواقع كنتيجة لها من جهة أخرى؟

القرآن الكريم الطرف الإيجابي دائما

إنه لا يمكن لأي عقل منصف وسوي أن ينسب لكلام الله فتورا أو نقصا أو ضعفاً، والقرآن الكريم آخر الكتب السماوية التي تعهد الله بحفظها " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" على أنه لم يتدخل الإنسان على تعديل ما جاء فيه نصا (عكس ما حدث مَعْناً وتأويلاً )، ويرجع كون الفرقان الطرف الإيجابي في المعادلة- بل أكثر من ذلك فهو الطرف الأقوى والأعظم حيث يمد ذلك المتفاعل معه "الإنسان" بالطاقة ليتحقق فيه التوازن فالإيجابية- تكمن قوة القرآن في أنه:
- يمثل مرجعا نموذجيا متكاملا مع السنة النبوية في التشريع للمجتمعات والأمم
- يحمل منظومة أخلاقية يحتاج إليها البشر للعيش في كرامة وأمن وعز
- يضع للحضارة الإنسانية معالِماً وقواعداً لتحقيقها ثم استقرارها (بنظرة شاملة لأركانها: الإنسان، الكون، والحياة)
- يبني أسسا لعلاقة قوية ومتينة بين الإنسان وخالقه (على أن يكون لها تجليات في واقعه وحياته)...
ولكنه لا يخفى عن أحد أنه اتجهت العديد من الأنظار والآراء نحو اتهام القرآن بعدم صلاحه لقيادة الأمم وابتعاده عن الواقع (المثالية) وعدم تلاؤمه مع تطورات العصر الحديث، بيد أنه قليلا ما يُنظَرُ إلى الإنسان أو بالأحرى ينظر الإنسان إلى نفسه ليجد أن الخلل لديه، ببعده عن الهدي المنزل أو بقربه مع عدم تفاعله  ... وهنا أكون قد دخلت في الطرف الثاني في المعادلة...

الإنسان بين السلب والإيجاب

الإنسان رغم نيله نصيبا عظيما في النص القرآني، بل إنه كله موجه له ووجد من أجله لتوجيهه وإرشاده لتحقيق رسالته، فكل المخلوقات الأخرى موجهة بكلمة واحدة كن فيكون، أما الإنسان " وكان الإنسان أكثر شيء جدلا" فقد احتاج إلى كتب - وليس كتاب فحسب – من عند الله العظيم، فالقرآن عرّف الإنسان بذاته وبيَّن له أصله ومراحل تطوره ونموه، أصله الترابي، تكوُّنه الجنيني (وحتى تدرجه في السن ) كما عرّفه بهويته الإنسانية المكرّمة " ولقد كرمنا بني آدم وحملناه في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا"
وفي القرآن الكريم يجد الإنسان تعريفا وتبيانا لرسالته ودوره في الحياة "شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ..."   " ، " إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ ..." ، وعلى أنه خليفة الله في الأرض: "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة"
رغم هذا كله، وقوله تعالى: " لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ"   نجد إعراض الإنسان وهجره للذكر الحكيم ، على أن هجر القرآن لا يقتصر على ترك تلاوته، وترك قراءة الورد منه بل هو أوسع من ذلك فنرى أنواعا للهجر تتجلى في واقعنا وكما قال ابن القيم وابن كثير: "ترك الإيمان به وتـرك تصديقه من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامــــره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره من هجرانه"

أسباب التفاعل السلبي

أرى أنه من بين أهم مولدات التفاعل السلبي للإنسان مع القرآن الكريم:
- خلل سلوكي: تحجيم دائرة التعامل مع القرآن، والتقصير في إتباع قوانين القرآن وأحكامه
- خلل فكري:القناعة الضعيفة - أو المنعدمة – لدى الكثير من الناس في أن القرآن منهاج حياة صالح لكل زمان ومكان
- خلل معرفي: الفهم السطحي للقرآن الكريم، الجهل بكيفية إسقاط النص على الواقع

على أنه يقابل كل هذا الإنسان الإيجابي الذي تعامل مع القرآن الكريم بشحنة تناسب ما جاء فيه وهذا الذي يحدث الفرق بين حامل القرآن وتاركه، وينشئ المعادلة التفاعلية بينهما، متجلية على واقعه وواقع المجتمع الذي يعيش فيه وأمته التي ينتمي إليها معادلة تحييه وتحييها "يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم...". وسأترك الحديث عن هذه النقطة في الموضوع الثاني لارتباطهما، ورغبة في تفادي التكرار.

الواقع ... حصيلة التفاعل 

كون الإنسان يعيش في وسط جماعةٍ، وكون العالم لا مجال فيه للعيش الفردي- المنعزل تماما – فإنه بأفكاره ومعتقداته ونقاط قوته ونقاط ضعفه يظهر وينعكس على واقعه وواقع مجتمعه وأمته وحتى الكون (قال تعالى:"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس..." )، فلا مفر من الحديث عن الحصيلة المريرة التي حصدتها الأمة الإسلامية لأن هذا واقع ما نعيشه في هذا العصر لما ابتعدنا عن المنهج القرآني الرباني ، أو اقتربنا منه ولكن من غير فعالية

الحصيلة الأخلاقية والقيمية

فترى القرآن يضع مثلا منظومة كاملة للأخلاق والقيم بينما نجد في واقعنا ما سماه مالك بن نبي "بالشلل الأخلاقي" أي الانفصام بين النموذج القرآني والتطبيق العملي للأخلاق، فتكاد لا تظهر سمات الإحسان، الإنفاق،الصدق، التقوى، الحياء... فبدأ التمايز بين طبقات المجتمع في الغنى، وكثر الكذب والزور وانتشرت الرشوة، وصرنا لا نخفي ظاهرة الانحلال الخلقي عن شوارعنا...
هذا رغم وجود دستور أخلاقي في قرآننا، فيه قول الله تعالى:"وأحسنوا إن الله يحب المحسنين" ،وقوله في صفات عباد الرحمن: "والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما" ، وقول أيضا جل جلاله:"وكان الله على كل شيء رقيبا"...فاستشعار المسلم الحق لرقابة الله عز وجل تحصنه من أي سلوك سلبي تجاه نفسه أو غيره

إلى جانب هذا نجد أن القرآن ينظم حياة الإنسان في أسرته فيضع قيما عليا، لا تجد لها مثيلا في أي نظام قانوني أو عرفي، ففيه قيم في الزواج قال تعالى:"أزواجا لتسكنوا إليها"، وقال أيضا عز وجل: "هن لباس لكم وأنتم لبسا لهن"، فعليها أن تنعكس هذه القيم بتوفر الأمان والسكينة بينهما...، وفي القرآن أيضا قيما للرحم لتحميها من التشتت والضياع، وتحني من رُدّ إلى أرذل العمر من الوالدين من استكمال بقية حياته في دور العجزة "وإما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا ..."
ولكن الإنسان  اليوم لم يتفاعل إيجابيا مع هذه الآيات والقيم فأصبحت آخر قيمة في حياته هي الأسرة فقد زاحمتها قيمة المال والمصالح مثلا وسبقتها هذه، في وقت أصبح الغرب يدق ناقوس الخطر كون النظام الأسري عندهم مهدد بالانقراض

نتائج أخرى للمعادلة

وسألخص بعض ما بقي مما حصده واقع أمتنا باستبعاد التعاليم القرآنية من مجالات الحياة:
- انهيار النظام التشريعي الإسلامي العادل في النظم السياسية والقانونية للأمة الإسلامية، رغم كونه صالحا لإدارة حياة المجتمعات والأمم، وهذا أحد علماء القانون الدكتور إيزيكو انسابا توحين يقول: "إن الإسلام يتمشى مع مقتضيات الحاجات الظاهرة فهو يستطيع أن يتطور دون أن يتضاءل خلال القرون، ويبقى محتفظا بكل ما لدية من قوة الحياة والمرونة. فهو الذي أعطا العالم أرسخ الشرائع ثباتا، وشريعته تفوق الشرائع الأوروبية"
- غياب النظام الاقتصادي الإسلامي والانسلاخ في النظم الغربية الليبرالية الرأسمالية والاشتراكية...
- عدم توليد مقومات وحدة الأمة الإسلامية، فلا نكاد نرى وفاقا وائتلاف بين الدول الإسلامية إلا في شعارات وشكليات مناسباتية ومؤتمراتية

أخيرا نقول أنه نظرا لخلل ما في ذاك الإنسان الذي حال دون تفاعله وتعالمه مع القرآن الكريم كمنهج حياة، وهناك من يزيد إليه طرف ثالث وإن كان في الأصل ضعيفا أمام إرادة الإنسان إلا أنه موجود وهو العدو الأجنبي "الصهيوني" الذي يبذل الغالي والنفيس من أجل التفريق بين المسلم وشرعته ومنهاجه، كل هذا ظهر تأثيره على الواقع وسعيت من أجل إبراز بعض جوانبه، على أن للمسلم أن يسلك طريقا آخر في تعامله مع القرآن الكريم بما يحقق الرقي للإنسان والنهضة بالأمة الحضارية وهذا ما سأتطرق إليه في الموضوع التالي إن شاء الله تعالى.

 

بقلم الأستاذة إصطفاء ـ تيزي وزو ـ الجزائر

صفحة الفايسبوك

التسجيل في الموقع

  • صلاح
  • kadchahed

فيــــــــــــديو : الجزائر نظرة من عل