القدوة الحق

في تاريخنا العظيم نجدُ أمثلةً رائعة، لا نظيرَ لها عند غير المسلمين، وهذه الأمثلة هي بحقٍّ يجب أن نتَّخِذَها قُدوة نسير عليها في حياتنا، ونفعل كما فعلوا، فهم قد عملوا بقول الله - سبحانه -: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: 21]، فكانوا بحقٍّ أئمةً في كلِّ مَجال، وشُعلة أضاءَتْ للبشرية جَمعاء طريقَ الهدى والرشاد، وليس للمسلمين فقط.

 

فإلى شباب المسلمين أُهدي هذا النموذج الفذَّ من الشخصيَّات الإسلاميَّة الرائعة، التي قلَّ أن يجودَ الزمان بمثلها، والذين عملوا على حِفْظ الدين؛ حتى يصِلَ إلينا دون أن تَمسَّه يدُ التحريف، فأصبحوا بذلك جنودًا؛ لقول الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9].

 

إليكم يا شباب المسلمين، بل يا شباب العالَم، يا من تبحثون عن القُدوة، هذا مثال واحد من الكثيرين في تاريخ المسلمين، وهو:

أمير المؤمنين في الحديث: ابن حجر العسقلاني:

قال عنه الزركلي في كتابه "الأعلام":

(773 - 852 هـ = 1372 - 1449م)

"أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل، شهاب الدين، ابن حجر، من أئمة العلم والتاريخ، أصله من عسقلان (بفلسطين)، ومولده ووفاته بالقاهرة، وَلِع بالأدب والشعر، ثم أقْبَلَ على الحديث، ورَحَل إلى اليمن والحجاز وغيرهما؛ لسَماع الشيوخ، وعَلَتْ له شهرةٌ؛ فقصدَه الناس؛ للأخْذ عنه، وأصبحَ حافظَ الإسلام في عصره؛ قال السخاوي: "انتشرتْ مُصَنَّفاته في حياته، وتهادتْها الملوك، وكَتَبها الأكابر"، وكان فصيحَ اللسان، راويةً للشعر، عارفًا بأيَّام المتقدِّمين وأخبار المتأخِّرين، صبيح الوجْه، ووَلِي قضاء مصر مرَّات ثم اعتزلَ.

 

أما تصانيفُه فكثيرة جليلة، منها:

"الدُّرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" - ط أربعة مجلدات، و"لسان الميزان" - ط ستة أجزاء، تراجِم، و"الأحكام لبيان ما في القرآن من الإحكام" - خ، و"ديوان شعر" - خ، رأيتُه في الإسكوريال (الرقْم 444)، وطُبِع في الهند، و"الكافي الشافي في تخريج أحاديث الكشاف" - ط، و"ذيل الدُّرر الكامنة" - خ، و"ألقاب الرُّواة" - خ، و"تقريب التهذيب" - ط في أسماء رجال الحديث، و"الإصابة في تمييز أسماء الصحابة" - ط، و"تهذيب التهذيب" - ط في رجال الحديث، اثنا عشر مجلدًا، و"تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة" - ط، و"تعريف أهل التقديس" - ط، ويُعْرَف بطبقات المدلسين، و"بلوغ المرام من أدلة الأحكام"، و"المجمع المؤسس بالمعجم المفهرس" - خ، جزآن أسانيد وكُتب، و"تحفة أهل الحديث عن شيوخ الحديث" - خ ثلاث مجلدات، و"نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر" - ط في اصطلاح الحديث، و"المجالس" - خ بخط البقاعي 193 مجلسًا؛ قال الميمني في مذكراته - خ: نسخة جليلة مهمَّة نادرة، و"القول المسدد في الذبِّ عن مسند الإمام أحمد" - ط، و"ديوان خطب" - ط، و"تسديد القوس في مختصر الفردوس للديلمي" - خ ستة مجلدات تنقص الثالث، و"تبصير المنتبه في تحرير المشتبه" - ط في أربعة أجزاء، و"رفْع الإصر عن قضاة مصر" - ط، و"إنباء الغمر بأنباء العمر" - ط في مجلدين ضخمين، و"إتحاف المهرة بأطراف العشرة" - خ حديث، و"الأعلام في من وَلِي مصر في الإسلام" - خ، و"نزهة الألباب في الألقاب" - خ منه نسخة نفيسة في جامعة الرياض (54 ورقة الرقْم 52)؛ كما في مذكرات الميمني - خ، و"الديباجة" - ط في الحديث، و"فتح الباري في شرح صحيح البخاري" - ط، و"التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير" - ط، و"بلوغ المرام من أدلة الأحكام" - ط مع شرْحه "سبل السلام في شرْح بلوغ المرام" - ط، لمحمد بن إسماعيل الأمير، و"تغليق التعليق" - خ ستة أجزاء منه، في الحديث، ولتلميذه السخاوي كتاب في ترجمته سَمَّاه "الجواهر والدُّرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر" في مجلد ضخم".

 

رحلاته في طلب العلم:

رحل إلى مكة سنة 785 هـ، وأقام بها سنة، ودرَسَ خلالها الحديث على يد الشيخ عبدالله بن سليمان النشاوري، وقد قرأ عليه "صحيحَ البخاري"، وسَمع في مكة من الشيخ جمال الدين بن ظهيرة.

 

ورَحَل من مكة إلى مصر عائدًا، فداوَمَ على دراسة الحديث الشريف على يد الحافظ عبدالرحيم العِرَاقي، وتلقَّى الفقه الشافعي من الشيخ ابن الملقِّن والعِز بن جَمَاعة، وعليه درَس الأصول وباقي العلوم الآليَّة، "كالمنهاج، وجمع الجوامع، وشرْح المختصر والمطوَّل".

 

ثم رَحَل إلى بلاد الشام والحجاز، واليمن ومكة، وما بين هذه النواحي.

 

أقام في فلسطين وتنقَّل في مُدنها؛ يسمع من علمائها، ويتعلَّم منهم، ففي غزَّة سمع من أحمد بن محمد الخليلي، وفي بيت المقدس سمعَ من شمس الدين القلقشندي، وفي الرملة سمع من أحمد بن محمد الأيكي، وفي الخليل سَمِعَ من صالح بن خليل بن سالم، وبالجملة فقد تلقَّى ابن حجر مختلف العلوم عن جماعة من العلماء كل واحدٍ كان رأْسًا في فَنِّه، كالقراءات والحديث، واللغة والفقه والأصول، ويذكر عن شيخه العزِّ بن جماعة أنَّه قال: أقرأ في خمسة عشر عِلْمًا، لا يعرف علماء عصري أسماءَها.

 

مكانته بين أهل عصره:

تفرَّد ابنُ حجر من بين أهل عصره في علم الحديث مطالعةً وقراءةً، وتصنيفًا وإفتاءً؛ حتى شَهِد له بالْحِفظ والإتقان القريبُ والبعيد، والعدوُّ والصديق، حتى كان إطلاق لفظِ "الحافظ" عليه كلمة إجماع بين العلماء، وقد رَحَل إليه الطلبة من الأقطار، وطارتْ مؤلَّفاته في حياته وانتشرتْ في البلاد، وتكاتَبَ الملوك من قُطر إلى قُطر في شأْنها، وكانتْ له اليد الطُّولَى في الشعر، وله ديوان شعر متوسط الحجم مطبوع؛ قال السخاوي: "شَهِد له شيخُه العراقي بأنه أعلمُ أصحابه بالحديث"، وقال السيوطي: "إمام هذا الفنِّ للمقتدين، ومقدم عساكر المحدِّثين، وعُمدة الوجود في التوهية والتصحيح، وأعظم الشهود والحكام في بابَي التعديل والتجريح"، وقال عبدالحي العُكبري: "انتهى إليه معرفة الرجال واستحضارهم، ومعرفة العالي والنازل، وعِلل الأحاديث وغير ذلك، وصار هو المعوَّل عليه في هذا الشأْن في سائر الأقطار"؛ نقلاً عن الموسوعة الحرة "الويكيبيديا".

 

وورَدَ في الموسوعة الشعرية عن "ابن حجر العسقلاني":

ولابن حَجر موهبة في الشعر، فله من القصائد الكثير، حتى عُدَّ له من أبيات الشعر التي قالها قي حياته ما يُقارب ألفي بيتٍ تقريبًا، ومن قصائده:

إِلَى اللهِ أَشْكُو مَا لَقِيتُ مِنَ الدُّجَى

وَمِنْ سُوءِ حَظِّي فِي الظَّلاَمِ إِذَا سَجَا

يَمُدُّ رِوَاقًا وَالنُّجُومُ كَأَنَّهَا

مَسَامِيرُ فِي سَقْفٍ لَهُ قَدْ تَبَهْرَجَا

يَطُولُ كَهَمِّي حِينَ صَاحَبْتُ رِفْقَةً

لَقَدْ سَلَكُوا فِي مَسْلَكِ اللَّوْمِ مَنْهَجَا

وَأَضْرَمَ نارًا فِي الْحَشَا خُلْفُ وَعْدِهِمْ

فَمِنْ ذِي وَذَا لَمْ أَلْقَ أَوْهَى وَأَوْهَجَا

فَمَا أَزْهَرَتْ مِنْ فَضْلِهِمْ رَوْضَةُ الْمُنَى

وَقَدْ هُدَّ مِنْ أَفْضَالِهِمْ حَائِطُ الرَّجَا

فَيَا طَرْفُ لاَ تَدْمَعْ وَأَقْصِرْ مِنَ الأَسَى

وَيَا قَلْبُ لاَ تَحْزَنْ فَتَفْتَقِدَ الْحِجَا

وَيَا صَاحِبِي لَمْ أَلْقَ إِلاَّ بَهَائِمًا

فَلاَ تَلْحَنِي إِنْ رُحْتُ أَنْحَرُهُمْ هِجَا

وَلاَ تَنْهَ نَظْمِي فِي انْتِهَاجِ هِجَائِهِمْ

فَمَا زَالَ قَوْلُ الْحَقِّ أَنْهَى وَأَنْهَجَا

وَأَلْجِمْ لِسَانًا قَدْ سَرَى مَدْحُهُ لَهُمْ

وَإِنْ كَانَ ذَاكَ الْمَدْحُ أَسْرَى وَأَسْرَجَا

وَلاَ تَرْجُ يَوْمًا بَابَهُمْ عِنْدَ فَتْحِهِ

وَإِنْ كَانَ ذَاكَ الْبَابُ مَا زَالَ مُرْتَجَا

وَلاَ يَتَبَاهَوا بابْتِهَاجِ غِنَاهُمُ

فَإِنِّي رَأَيْتُ الْحَقَّ أَبْهَى وَأَبْهَجَا

وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرُ إِفْرَاطِ شُحِّهِمْ

فَلَيْسُوا يُهَنُّون الْمَكَارِمَ مِحْوَجَا

وَمِمَّا شَجَانِي أَنَّنِي صِرْتُ بَيْنَهُمْ

مُقِيمًا وَلاَ أَلْقَى مِنَ الضِّيقِ مَخْرَجَا

وَأَسْرِي وَلَكِنَّ الظَّلاَمَ مَطِيَّتِي

وَأَرْكَبُ لَكِنْ مِنْ ثُرَيَّاهُ هَوْدَجَا

فَلَسْتُ عَلَى هَمِّي بِعَادِمِ هِمَّةٍ

فَيَا رَبُّ حَقِّقْ لِي بِرَحْمَتِكَ الرَّجَا

وصَلِّ عَلَى خَيْرِ الْوَرَى مَا شَكَا امْرُؤٌ

صَدِيقًا بِنَارِ الْبُخْلِ فِي الْبَيْنِ أَوْ هَجَا

 

فيا شباب المسلمين، يا مَن تبتغون المثل والقُدوة في رجال الغرب، هؤلاء الأقزام، هل وجدتُم فيهم أحدًا مثل هذا الرجل المسلم؟ إنه بحقٍّ النموذجُ الذي يجبُ أن يكونَ عليه المسلمون كافَّةً في الْحِرص على طلب العلم، والسعي لتحقيق هذا الهدف الذي به يستطيع الإنسان أن يعبدَ ربَّه، كما أرادَ الله - سبحانه وتعالى - منه، وذلك كما قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما عُبِدَ الله بشيءٍ أفضلَ من فِقْهٍ في الدين، ولفَقيهٌ واحدٌ أشدُّ على الشيطان من ألف عابدٍ، ولكلِّ شيءٍ عمادٌ، وعماد الدين الفقه))، وقال أبو هريرة: "لأن أجْلِسَ ساعة، فأتفقَّه أحبُّ إليَّ من أنْ أحيي ليلةً إلى الصباح".

 

فليكنْ هَمُّك - أيُّها المسلم - الْحِرْصَ على أن تتفقَّه في دينك؛ لكي تتمكَّن من عبادة ربِّك على الوجْه الذي يرضاه.

 

وما كان هذا الإمام كذلك إلاَّ لأنه اتَّخذ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قدوةً وأُسوة له، فنال بذلك صلاح الدنيا والآخرة - بإذن الله تعالى.

 

نسأل الله العظيم أن يَجعلَنا ممن يقولون فيعملون، ويعملون فيُخلصون، ويُخلصون فيُقْبَلون؛ إنه وَلِيُّ ذلك والقادرُ عليه.

صفحة الفايسبوك

التسجيل في الموقع

  • kad1
  • khaled

فيــــــــــــديو : الجزائر نظرة من عل