الأفعال الكلامية

تعد الأفعال الكلامية أول الأسس التي انطلقت منها التداولية وقد بدأ أوستن في 1962م بدأ يهتم بالأفعال التي تتجاوز وظيفة الوصف، مثل الفعل أقسم، أو قبلت في البيع والشراء، أو زوجتك ابنتي، أو طلقتك،....فهي أفعال تخرج عن الوصف وبذلك عن الصدق والكذب، إلى أفعال تنجر حال النطق بها في المواقف المناسبة، وأوستن متأثر في ذلك بالملاحظات التي أثارها فنجلشتاين، كرد على الفلاسفة الوضعية المنطقية، الذين يرون اللغة وسيلة لوصف الوقائع الموجودة في العالم الخارجي بعبارات إخبارية، ثم يكون الحكم بعد ذلك على هذه العبارات بالصدق إن طابقت الوقع، وبالكذب إن لم تطابقه لكن فنجلشتاين وأوستن من بعده أثاروا موضوع الأفعال، التي تتعدى الوصف للوقائع، كالأمر، والاستفهام، والتمني، والشكر، والتهنئة، واللعن، والقسم، والحذر، وهذه الأفعال تختص بإنجاز ما تقوله، وإزاء واقع جديد بمجرد النطق بها.

وهي أفعال لا يصلح إزائها الحكم بالصحة والخطأ، بل موفقة بالنجاح "réussi" ومن خلال هذه الملاحظات ميز أوستن بين نوعين من الأفعال: إخبارية constata tif، وأدائية performatifs في بداية بحثه.

أ- الأفعال الإخبارية: وهي أفعال تصف وقائع العالم الخارجي، وتكون صادقة أو كاذبة كقول القائل "أنا أحب وطني" "الشمس مشرقة" عبارات يحكم عليها بالصدق إن هي طابقت الوقائع.

ب- أفعال أدائية أو انجازيه:verbes performatifs

تنجز بها أفعال في ظروف ملائمة ومنها التسمية، والوصية، والاعتذار، والرهان، والنصح، والتحذير، والوعد، وتكون هذه الأفعال موفقة إذا تحققت لها الشروط الملائمة (الإفادة)، وإذا لم تتحقق كان لها الفشل والإخفاق، إلى جانب هذه الشروط، شروط قياسية وهي ليست لازمة لأداء الفعل في حد ذاتهن بل لأدائه أداء موفقا غير معيب، فإذ لم تتحقق كان في ذلك إساءة عند الأداء للفعل.

هذا للتمييز الذي يتراجع عنه أوستن فيما بعد، حيث بدا له من المستحيل العثور على ملفوظ مجرد من القيمة الانجازية، وحتى الملفوظ الذي يبدو وصفيا بحتا مثل" إنها تمطر" "il pleut" فهو يوجد حقيقة جديدة، كانت غير موجودة عند الملتقى، وبالتالي يحقق فعل إنجازي، ثم إن هذا الملفوظ يقال في سياقات متعددة، قد يفهم منه أمرا بالإسراع، أو تأجيل الخروج، أو ارتداء نوع خاص من اللباس...

وقبل الانتقال إلى تطور مفهوم الأفعال الكلامية، نفتح قوسا شرح شروط الملائمة (الإفادة) ليكون الفعل الكلامي موفقا، وهي شروط تكوينية وشروط قياسية.

الشروط التكوينية: وتضم خمسة شروط جزئية:

1- وجود إجراء عرفي مقبول، وله أثر عرفي معين (كالزواج والطلاق).

2- أن يتضمن الإجراء نطق كلمات محددة ينطق بها أناس معينون في ظروف معينة (كولي بنت في الزواج، أو القاضي في المحكمة أو الذي بيده عقدة البيع في المزاد).

3- أن يكون الناس مؤهلين لتنفيذ هذا الإجراء(الأسوياء).

4- أن يكون التنفيذ صحيحا.

5- أن يكون التنفيذ كاملا.

الشروط القياسية: وهي كذلك أربعة شروط:

1- أن يكون المشارك في الإجراء صادقا في أفكاره.

2- أن يكون المشارك في الإجراء صادقا في مشاعره.

3- أن يكون المشارك في الإجراء صادقا في نواياه.

4- أن يلتزم بما يلزم نفسه به.

هذا مع الشروط الملائمة (الإفادة)، التي ستشكل فيما بعد أسس حاسمة في النظرية التداولية، ونعود إلى النتيجة ما استقر عليه رأي أوستن والذي يتخلص في أن لكل تلفظ بعد إنجازي، illocutoire إلى جانب البعد الوصفي إن وجد، ويظهر من نوع الفعل الذي أحدثه لدى الملتقى، وانطلاقا من هذه النظرة يميز أوستن من جديد بين ثلاث وظائف متكاملة في التلفظ، وهي على التوالي:

- تحقيق الفعل اللفظي (القولي)acte locutoire المتضمن في القول وهو النتاج متتالية أصوات ذات معنى في اللغة ما (ملفوظ).

- تحقيق الفعل الانجازيacte illocutoire وهو إنتاج ملفوظ، تتصل به عن طريق الاتفاق، ومن خلال القول ذاته بعض القوة، وهذا هو المقصود من النظرية برمتها.

- تحقيق الفعل التأثيري action perlocutoire وهو إحداث تأثير في الوضعية عن طريق الكلام مثال ذلك: طرح سؤال لمقاطعة المتكلم، أو إزعاجه، أو إثبات الوجود...

واستمر موضوع الأفعال الكلامية محل بحث ومناقشات واسعة، ونتيجة لذلك أثيرت إشكالية الأفعال الانجازية غير مباشرة، ويتعلق الأمر بأفعال كلامية تحقيقها مباشرة بل من خلال أفعال كلامية أخرى، ومثال ذلك عبارة "هل تستطيع أن تناولني المربي؟"المتلقي على القيام بهذا العمل، وعليه فإن للعبارة معنا مقنعا، يمكن اشتقاقه عن طريق قرائن عرفية من طرف المتلقي، الذي يفهمه "تناولني المربى" وهو عبارة عن طلب بكيفية لبقة  والأمثلة المشابهة لهذا يعج بها حديثنا طوال حياتنا، وأغلب استعمالها- كما يرى سيرل-هو للتأدب مع الغير.

وموضوع الأفعال الكلامية غير المباشرة يقودنا إلى مبدأين مهمين أولهما القصدية (l’intention)، وهي المعنى الذي يريده المتكلم خارج المعنى البسيط لكلامه.

وثانيهما مبدأ التعاون الحواري (principe de coopération)،أي أن الملتقى يجتهد للوصول إلى قصد المتكلم، من خلال قرائن مساعده على التفسير، يستقيها من ملابسات الحديث ذاته، أو السياقات المختلفة، ويستثمرها في إجراء الحسابات التفسيرية.

والخلاصة أن الأفعال الكلامية ينظر لها من الزوايا الثلاث، تشكلها الأفعال التي فصلها أوستن.

فعل تلفظي (القول) تحكمه المستويات اللسانية المعروف، المستوى الصوتي، والمستوى التركيبي، والمستوى الدلالي، كل في حدود اختصاصه.

فالصوتي يتضمن التلفظ بسلسلة من الأصوات المنتمية إلى لغة معنية.

ثم التركيبي ليتضمن تأليف مفردات طبقا لقواعد لغة معنية.

ثم دلالي ليضمن توظيف حسب معان وإحالات محددة، وبتضافر هذه المستويات يكون للملفوظ معنا مفهوما ومشروعية التلفظ به.

1- الفعل الانجازي أو المتضمن: ويحكمه قصد المتكلم والسياق العام، الشيء الذي يشحنه بقوة إنجازيه، ترفع الملفوظ من المعنى البسيط إلى المعنى المقصود من طرف المتكلم.

2ـ الفعل التأثيري: يحكمه مبدأ التعاون الحواري، والملائمة (الإفادة) التي تؤهله إلى التوفيق في إحداث أثر لدى المتلقي.

ونسوق المثال التالي لمزيد من التوضيح ووضع الأسماء على مسمياتها، مثال استقيناه من كتاب "جان سير فوتي" ترجمة الدكتور قاسم المقداد بتصرف.

"قطة عمتي فوق السجادة" Le chat de ma tente est sur le tapi جملة مقطوعة من السياق، ومع ذلك فهي تصور مشهدا – يمكن اعتباره ابتدائيا – وهي مكتملة من حيث فعل تلفظي، إذ هي سلسلة من الأصوات المنتمية إلى اللغة العربية، وذلك على المستوى الصوتي. ثم إنها على المستوى التركيبي توفرت على تحديد لنسبة القطة إلى العمة (بالإضافة)، ونسبة العمة إلى المتكلم (بياء المتكلم) كما تحدد مكان القطة (بظرف المكان فوق)، وبذلك تحقق التركيب وفق قواعد اللغة العربية، من مبتدأ معرف بالإضافة، وخبر شبه جملة من ظرف مكان ومضاف إليه، وأما المستوى الدلالي فيتضح من خلال الصورة التي تتشكل لدى المتلقي، والعلاقات التي نشأت عن طريق الإحالة بين عناصر الجملة، فيفهم من قول عمتي علاقة المتكلم بصاحبة القطة، ثم إن عدم ذكر اسمها يدل على أنها العمة الوحيدة، وأن القطة بما أنها لم توصف بوصف، تسمى باسم، فهي كذلك القطة الوحيدة، هذا ويمكن الوقوف على استنتاجات أخرى على هذا المستوى.

أما الوقوف على الفعل الانجازي، فيستدعي إدراج هذا الملفوظ الابتدائي في سياقه حتى تتضح قوته الانجازية وليكن هذا المثال: الشخص(أ) تلتقي سؤالا من(ب) كالتالي:

"هل يمكن إحضار عصفوري معي" وهنا يصبح الملفوظ" قطة عمتي فوق السجاد" يحمل في طياته قصد المتكلم(أ) وهو التحذير من خطر القطة على العصفور، والملاحظ أن هذا التحذير لم يظهر إلا من خلال السياق الكلامي (السؤال السابق)، والسياق العرفي(القطة تهاجم العصافير)...

أما الفعل التأثيري فيظهر في الموقف الذي سيتخذه المتلقي (ب)، من عدم إحضار العصفور، أو عدم الحضور بالمرة أو..................

إلى جانب هذا نلاحظ خروج الملفوظ "أ" عن المعنى المباشر الذي هو تصوير مشهد "قطة عمتي فوق السجاد"إلى فعل أفاد التحذير بصورة غير مباشرة، ويجدر القول أن هذه النظرة التداولية تكشف على أن ما خفى من قول أعظم مما ظهر، وهذه المعاني الخفية التي تستنتج عن طريق عمليات ذهنية، هي التي تسمى les implicites وهو مفهوم تداولي إجرائي يتعلق برصد جمــــلة من الظواهر المتعــــلقة بجوانب ضمنية، وخفية من قوانين الخطاب، تحكمها ظروف الخــــطاب العـــــامة كسياق الحــــــال وغيره، ومن أهمـــــها: الافتـــــراض المســــبق pré supposition والاستلزام الحواري.

الافتراض المسبق:

يتصل الافتراض المسبق بمبدأ الاقتصاد في الكلام، بدونه يصبح التواصل مستحيلا، لأننا بالافتراض المسبق ننطلق من مسلمة وجود مكتسبات قبلية من المعلومات لدى المتلقي، نبني على أساسها ما نريد تبليغه من المعلومات الجديدة، دون الحاجة إلى التذكير بتلك التي سلمنا بوجودها.

وهذا الأساس نجد خاصة في التعليم، إذ من المستحيل أن ننطلق من الفراغ، ففي السنة الأولى يتم بناء التعليمات على خلفية نضج التلميذ في النطق، والتذكر والملاحظة....

ثم في السنة الثانية يكون الانطلاق في بناء التعليمات، معولين على الرصيد الذي اكتسبه في السنة الأولى، و في السنة الثانية، ودواليك، ولو لا هذه الصيرورة المتنامية لتوقف التعليم والتعلم في دائرة مغلقة، كلما أريد شيء سبقته جملة من المراجعات تفوق.

الهوامش

  أحمد محمود نحلة ص42

 Dominique maingueneau-pragmatique pour le discours littéraire- nathta-universite’-2emeede-2001-p5.

 - فرانسواز أرمينكو–المقاربة التداولية – ترجمة سعيد علوش- مركز الإنماء القومي- الرباط-1986م-(د ر ت ط)ص 62،63

* لا يكون الفعل إنجاز بإخراج استعمال التلفظ الإنجازي: فالقول إني أقسم كثيرا، لا يعد إنجازيا بل وصفيا. 

  أحمد نحلة –مرجع سابق-ص 44،45.

 Dominique maingueneau-pragmatique pour le discours littéraire-Nathan universite’-2emeede-2001-p7،6

 قسم أوستن الأفعال الكلامية على أساس قوتها الانجازية إلى خمسة أصناف: أفعال الأحكام(verdict)أفعال القرار (exécutive)أفعال التعهد(comissive)أفعال السلوك(behabitives)أفعال الإيضاح(ex positive)-نفس المرجع.

  Dominique maingueneau-pragmatique pour la discours littéraire-Nathan universite’-2emeede-2001-p11.

 موقع اتحاد العرب

*-في مقام سابق وليكن عن طريق مكالمة هاتفية يخبر فيها ّب ّ بالزيارة

  -مسعود صحراوي ص30

صفحة الفايسبوك

التسجيل في الموقع

  • kad1
  • khaled

فيــــــــــــديو : الجزائر نظرة من عل