الدكتور جاسم خلف إلياس: أتهجاك خلف ذاكرة...وسر التحقق

حينما تتحول اللغة إلى سر ملاحق يبحث النص من خلالها عن إمكاناته المتحققة....حينما يتحول النص إلى إرباك مقلق ملوحا بوعد مؤجل التحقق....وحينما يلامس التعتيم هوية مضطربة تحاول لم شتاتها في زمن هارب من التحديد....هناك يتحول النص إلى ارتحال صامت ...إلى بوح مسيّج باللانهائية...إلى اعتراف منفلت من صورة مألوفة...وذلك كله وجدته في نص الشاعر العراقي المبدع الدكتور جاسم خلف إلياس الموسوم بـ"أتهجاك خلف ذاكرة عتقتها المسرات".فما يبوح به النص؟

العنوان:"أتهجاك خلف ذاكرة عتقتها المسرات"

يتشكل العنوان من جملة فعلية تحاول الهروب من صفة الثبات والسكون،إذ يرد الفعل في زمن المستقبل" أتهجاك" حيث النص يخاطب اللغة في حكم الموجود المقابل والمستمر في نفس الوقت،ومن هنا فالتهجية التي تفترض القراءة المتقطعة تجعل من اللغة منجزا في طور التشكل والإنجاز  المتلاحق آنيا،وكأن النص هنا يعترف بسلطة القارئ وقدرته في استكمال المنجز الإبداعي والاسهام في إنجازه،لهذا ترد التهجية في موضع "الخلف" حيث التستر والتخفي وملازمة الجوانب والحواشي والابتعاد عن الواجهة،وهذا ما يؤكد حقيقة المعنى المغيب أو مالم يقله الخطاب الشعري والذي ترك خلف ذاكرة النص من أجل لحظة الالتقاء بقارئ خاص ونوعي يتلقى هذه الإشارات ويعيد إنتاجها من جديد،وقد وردت لفظة"ذاكرة" نكرة حتى تؤكد أن الزمن الشعري قد تأسس على الغموض والالتباس والإبهام،حيث الهوية غير المعلنة والهاربة من حدود التعريف وحيث الذاكرة المشتتة التي تستمد وجودها من حالة الإنكار.ويأتي الفعل الماضي"عتقتها" من القدم إذ النص يحاول تغييب هذه الذاكرة احتفاء بزمن إبداعي مغاير مبني على الوجع والحزن،كما تبدو المزاحمة واضحة والصراع بين الماضي والحاضر ،ولكن هذا النص الحداثي يؤسس لمبدع حداثي جديد بتوضيح مركزية الفعل المضارع في حين يرمي الماضي وذاكرته ناحية التهميش والاستبعاد والتأخير.

للسلوى

ارتقاب بترعم من غير ربيع

رائحة أزهار

تختلس انتشاء أول حلم

أربكته

اندلاقات البياض المؤجل

طعم صلصال

يفترع بكارة الولع المثقل بالقرابين

ويقتفي

سر احتضار الهروب الآثم

يبدأ الشاعر نصه الشعري بشبه جملة"جار ومجرور" وكأنه يحاول إلتزام جانب المحايثة،حيث الهروب من سلطة النص المركزي وإقصاء الزمن الشعر المؤسساتي لإظهار هذه التشكيلات الهامشية التي تهرب من صفة الإكتمال وتؤسس هوية المشابهة،وكان بالنص يحاول أن يبحث عن اكتماله في هذه اللغة المنتقصة أو هذه التعبيرات التي تلتزم بمعايير الجملة الكاملة لإتمام هويتها.إنها تعبير عن هوية إبداعية هاربة من النموذج المكتمل حيث تعتمد التوليد وتبنى على الإحتمالات المتعددة في زمن المستقبل،إذ يبين النص كيف ان سلواه في حالة الترقب والإنتظار لذلك المعنى المؤجل أو في ذلك الوجود المؤسس على الغموض والإبهام ،حيث اللغة المربكة التي في تشابكها تشبه حلما بعيد التحقق بالاكتمال في اللحظة القادمة"تختلس ـ يفترع ـ يقتفي"،وفي ذلك الإقتفاء للصورة المؤولة والهاربة من شكل التموضع احتفاء بالتعدد،حيث سر الاختفاء والإرباك،وحيث كل قراءة أو منتج تأويلي بعده يعد إساءة فهم أو منجز آثم.

للسلوى

حكايات نرجس

تغوي الأفق

في جزر اللغة المخزونة

احتمالات وهج

يتقمص اللحن المحرض لهتك الحنان

وحواس

تعزف من هطول النار شهوة الإزدهار

كي تنكمش الهالات في الخفاء

وتتشظى في روافد الحلم

نصوص الانهماك

ويبقى النص في تقديم اعتباراته المختلفة،حيث سر التحقق في الزمن المربك وحيث الوعد بالإنجاز المستمر"تغوي ـ يتقمص ـ تعزف ـ تنكمش ـ تتشظى"،ومن هنا تكون السلوى في اللغة التي تتبرعم مستعيرة مغامرة الحكايات لغواية القارئ وخلخلة أفق انتظاره،من خلال سر الاختفاء الذي يعد باحتمالات مختلفة،ومن خلال ذلك الاشتعال بعد انكماش الحقيقة وإلتحاق اللغة بالتخفي عن طريق التباسها بهوية التبعثر ،حيث المعنى مشتتا وحيث الذاكرة المتشظية التي تشي بحلم تضطرب احتمالاته فتجعل المتلقي في حالة انهماك وبحث.

للسلوى

شرود ماء

تناثر خلف تضاريس الكبرياء

وميض إدهاش

أزاحته النيازك عن دروب النعناع

ومقام أوقفته الصدمة في الباب:

ـ ساغلق

ـ روحي معك

يستمر النص في بناء هويته على النموذج الباحث عن اكتماله،حيث الإعتماد على المغايرة وعدم الثبات ،وحيث التفتيش في اختلالات اللغة وفي تلك البياضات المدهشة الصادمة،وفي ذلك الشرود الصامت حيث تتسيج اللغة بكبرياء الحضور مترفعة عن هوية المطابقة،لتظل بعيدة في إمكاناتها وفي تحققها ولتظل في مقام تساؤل حيث صدمة الانغلاق والتعتيم تقابل طالبها أو متلقيها حينما يريد ملامسة حقيقتها وسر غموضها في اللحظة القادمة،إذ تقابله بالصدود ورفض الانصياع حتى تظل دهشته ويظل ارتباكه وشوقه الدائم للوصول أو الجري وراء تلك اللانهائية....

للسلوى

تاخذ الأرض نبوءتها

كي يقترف البحر تراتيله

وتنهمر الهسهسات

اخضرار خراب يفيض بالزهو

تعطي الدماء أسرارها

كي أتهجاك خلف ذاكرة

عتقتها المسرات

وانهال عليك أرجوان عزلة

توشوش غرابة هذا التوغل

وتعلن مواسم انهمار أثقلتها غيوم المحاق

أغصان لا تعرف الانكسار

فكوني آخر قبضة من جمرة لا تعبأ بالريح

وانتظري مطري

ويبقى النص باحثا عن سلواه حيث التحقق المربك في زمن الحضور"تأخذ ـ يقترف ـ تنهمر ـ يفيض ـ تعطي ـ أتهجاك ـ أنهال ـ توشوش ـ تعلن..."،وحيث انتظار تحقق نبوءة التواجد حينما يتم تخريب الزمن القبلي وتهديم النسق اللغوي المتوارث،لتركيب ذاكرة لغوية من حروب تشن بحثا عن سر الاكتمال أو سر اللغة الهاربة من صفة التحديد،ومن هنا يعلن النص ارتباطه بتلك المحاولات القرائية والتأويلية حيث فرح الإنجاز بهدم الهوية الثابتة وعزل اللغة عن ممكناتها القبلية للتوغل في تحققها المتعدد الغريب آنيا،وحيث الاعتراف بسر التمكن من خلال الانهمار التاويلي ومن خلال تلك اللانهائية.لينهي النص هذا الاعتراف بتوجيه أمر مسيج بالرجاء للغة وتشكيلاتها المعقدة أن تستمر في اشتعالها غير عابئة بريح متوعدة بالهلاك ،وأن تنتظر إمداداته المختلفة حتى تظل دائما وعدا بالإنجاز مستقبلا.

صفحة الفايسبوك

التسجيل في الموقع

  • kad1
  • khaled

فيــــــــــــديو : الجزائر نظرة من عل