الجيب العجيب : أنا وجيبي

بينما كنت في مكتبي أبحث لي عن كتاب أجول مع صاحبه فيما يذهب إليه أو أخالفه في ذلك، فإذا بي أشعر بوخز خفيف في جنب فخذي الأيمن، ثم بدأ يتقوى، فالتفتُ إليه في آنة فسمعته يقول: ألا تحب أن أجول بك في أعماق تاريخنا الطويل أيها الأستاذ المحترم؟  لقد ضقت ذرعا من الوحدة والوحشة.

قلت: ومن أنت حتى أصاحبك وأجول معك ؟

قال: أنا حلاّل المشاكل، جيبك حبيبك، صاحبك في الشدة، وعميدك وخادمك في المُلمّات.

قلت متعجبا : ومتى كان للجيوب تاريخ ؟ ومتى أصبحت الجيوب تنطق؟

قال مندهشا : يا سبحان الله !أما قرأت قوله تعالى: « وإن من شيء إلا يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ». وتسبيحي هو خدمتي لكم معاشر الآدميين.

قلت: ألا عَرّفتني بأصلك حتى  أعرف من أصاحب ومع من أتحدث؟

قال: ألن تقلق إذا أنا أطلت عليك في التعريف بنفسي وبتاريخي.

قلت : ومن يملّ من معرفة الشيء الجديد وخاصة إذا كان ممتعا ومفيدا.

قال:إن أسرتي أيها الصاحب الكريم مشتقة من فعل جاب يَجيب، أو  جاب، يجوب، وكلاهما يُفيد قَطعَ المسافة، ولهذا تقول العرب للمسافر : هل عندك من جائبة خير؟ يقصدون خبراً يجوب الأرض من بلد إلى بلد.

ويقال في اللغة،  جاب يجيب جَيبًا : القميص قوّرَ جيبه وجيّب القميص جعل له جيبا، وجمعه جيوب وهي كلمة يعرفها الخاص والعام، والصغير والكبير. ويراد بها عند العامة الكيس الذي يُخَاطُ في جانب الثوب من الداخل، فيُجعلُ فمه إلي الخارج وداخله ظلمات الفقر أو بريق الدينار أو الدولار حسب قيمة صاحبه أو صاحبته، والبعض يُسمّينا بالجيبة بزيادة التاء للمبالغة، كما هي عندكم في كلمة المقاتلة.

قلت : هذه تعابير الأصمعي أو ابن منظور أو ابن ذريد في التعريف اللغوي أو ابن جني في شرح اللغة.

قال: لا يهمني من كان،  المهم عندي هل عرفت من أكون؟

قلت: أتتهمني بالبلادة يا هذا ؟

قال: لا أقصد… إنما أعتقد أنك عرفت مع من تتحدث، ومن سيرافقك في رحلتك الطويلة، وسوف تعرف مع من تجول في عالم الجيوب العريض.

قلت: بدأ يظهر ذلك أيها الجوابة. آت ما عندك من أخبار غير هذا التعريف الطويل.

قال: وكيف لا ؟! وقد وصفتني بأحب الأسماء إليّ. أليست كلمة الجوّابة مشتقة من اجتاب، فهو الجائب وتعني كثيرُ الأسفار والرحلات، وما التاء الزائدة عن الجوّاب إلاّ للمبالغة أيضا لا للتأنيث.

قلت: لا تكثر علي من الافتخار بأصلك  وكثرة تفاصيلك واجبني عن سؤالي الأول باختصار.

قال: تقصد، ومتى كان للجيوب تاريخ؟  اسمع إذن لقد بدأ تاريخ الجيوب يوم عرفت البشرية التعامل بالذهب والفضة، ويوم صُكّ‍ت الدراهم ويوم عرف النُّقَاّدُ انتقاد الدراهم والدنانير. يومها اصبح للجيوب عالم فيه أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، وأصحاب الخير والشر،يشترّك فيه الأغنياء والفقراء،  فيه الكريم والبخيل  الشحيح، فيه من صار لنا عبدا يُؤمَر فيُطيعُ وفيه من صرنا له عبيدا نُؤمَر فنُطيعُ ونتعب فنصبر. كما فعل بنا حاتم الطائي يوم جاد بكل ما تملك جيوبه.

قلت: يرحمك الله ذكرتني بما فعلتم معاشر الجيوب بقارون يوم سكن الشيطان جيبه، وأوحى إليه أن يزيد في طول ثوبه شبرا ليغيض به الفقراء من الناس.

 وما علم المسكين أن الله لا ينظر الى من يجرّ ازاره بطرا[1].

قال الجيب : أتعني ما أشارت إليه الآية " إن قارون كان من قوم موسى"..

قلت: صدق الله العظيم. هذا ما كنت أحوم حوله.

قال: ألم تلاحظ معي الإشارة التاريخية لعالمنا الزاخر بالمغامرات في قوله تعالى:" وأتيناه من الكنوز ما إنّ مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة" ولا شك أنك لاحظت القوة التي تمتعنا بها في حياته أذللناه بها ولازلنا نذل بها كل قارون في أي عصر كان، ولا شكّ أيضا أنك لاحظت كيف كُنا  رهن إشارة الكريم حاتم الطائي يوم جاد بفرسه.

قلت: يبدو أنك واسع الآفاق، مُطلع على التاريخ ودارسا للقرآن الكريم.

قال: لا تنس أني ممثل الجيوب أين ما كانت، وكيف ما كان نوعها، وأي كان جنس مالكها، ولعلك يا أستاذ أبعدتني قليلا عما كنت أريد أن أشير إليه عبر تاريخنا الممتد في أعماق الزمن، ولنعد إلى ما كنا بصدد شرحه.  لقد اتخذت الجيوب أشكالا وألوانا،  فكانت بدائية في أول ظهورها : فظهرت على شكل عُقَد[2]ٍ تُطرّف في الخِرَقِ أو جوانب الإزار ويحضرني هنا ما قاله بديع الزمان الهمذاني ( اشتهيت الأزاد وأنا ببغداد وليس معي عُقَدُ على نقد[3] فخرجت أنتهز محالّه[4] حتى أحلني الكرخ[5] فإذا بسوادي[6] يسوق بالجهد حماره، ويُطرّفُ بالعُقَدِ إزاره ، فقلت: ظفرنا والله بصيد).

هل لاحظت كيف استعملنا أحمد ابن الحسين في جملته ويُطَرِّفُ بالعقد إزاره، ثم تطورنا كما تطور الإنسان،  فصار البعض يخيطنا في جنبه الأسفل والبعض يجعلنا في جنبه الأعلى الأيسر تحت جنبات صدره، مقابلا لقلبه. فكنا نسترق السمع من دقات قلبه، فكان ذلك يساعدنا على إنقاذه إن كان طيبا، أو إغراقه في الشهوات إن كان خبيث المطعم والمشرب والملبس.

ثم استرسل يقول : ولا يخفى عليك ما وصلنا إليه اليوم من تقدّم، وخاصة في عالم النساء اللائي حوّلننا إلى  مَحافظ أنيقة وغالية الثمن، مختلفة الأشكال والألوان، وقد تَبِعهن في ذلك بعض الرجال لضيقهم بنا، وتعلّقنا بجنوبهم ، فحوّلونا إلى ألعوبة في أيديهم يضعونها أينما شاءوا  وكيف ما شاءوا. فيتذكرونها مرّة وينسونها مرّات، فتتقاذفنا الأيدي الشريرة مرات، وتحفظنا الأيدي الأمينة مرّة أو مرتين.

وبصراحة، إننا سئمنا هذه الحالة التي نحن عليها، لأننا امتهُنا بعد أن كنا أعزاء، وكثرت علينا الأعمال، وقهرنا السرّاق في الحافلة، وفي القطار، وفي الأسواق. ويرحم الله أيام زمان، لقد كان الواحد منا لا يفتح فمه إلا مرة في اليوم، وكان لا يحمل إلا الخفيف من الدريهمات، مرتاح البال ينام بين أحضان الطبيعة والحياة البسيطة. وباختصار، تعقّدت الحياة فتعقد عالم الجيوب معها.

قلت : عجبا، أيشكو عالم الجيوب مما نحن منه نشكو!؟

قال : وكيف لا وحياتنا مرتبطة بحياتكم ارتباط الظل بصاحبه  والدم  بشرايينه والسقف ببيته. وسؤالك هذا أوحى إليّ بالإجابة عن سؤالك الثاني، ومتى كانت الجيوب تتكلّم ؟

قلت : أفصح.

قال : إنها بدأت تعبّر عمّا يختلج في كيانها منذ أمد بعيد، ولعلّ الذي أنطقني هو الذي أنطق كليلة ودمنة عند ابن المقفع. والذي أنطقني أيضا هو الذي جعل لافونتان[7] يُنطق حيواناته، محاكيا ابن المقفع، وكذا الذي أنطق حمار الحكيم في عصرنا. ويقال أن هذا الفن أخذ عن الشاعر اليوناني إيزوب [8] الذي عاش قبل المسيح بسبعة قرون.

قلت متعجبا: صرت مؤرخا للأدب أيضا !

قال: أليس ذلك من حقّي؟ ومتى انفصل الأدب عن عالم الجيوب؟ وأسألك هذا السؤال، فمن الذي دفع جلّ عباقرة الشعر إلى قرض[9] الشعر؟ أليس هو الجيب؟ ألم يكن النابغة الذبياني يسعى إلى ملء جيبه؟ والحطيئة، من ا لذي جعله يتكسّب بشعره حتى أصبح يمدح هذا في الصباح، ويهجوه في المساء. أليس هو الجيب؟           والمتنبي عملاق الشعر العربي في العصر العباسي، من جعل منه الشاعر العبقري الذي لم يصل إلى منزلته سابق، ولم تعرف الحياة الأدبية بعده لاحق؟ أجبني باختصار من فضلك.

قلت : صدقت. لولا الجيب لما وجد هناك شعر ولا شعراء. وقديما قال الشاعر :

 

إنّ الدراهم في المواطن كلّها

                          تكسو الرجال مهابة وجمالا

هي اللسان لمن أراد فصاحة

                        وهي السيف لمن أراد قتالا 

وتحضرني هنا فكرة قالها الكاتب الفرنسي لابروييار[10] تؤيد ما ذهبت إليه في عالمكم. الفرق بين صاحب الجيوب العامرة وبين صاحب الجيوب الفارغة. فالأول له الحقّ أن يأكل ما شاء وكيفما شاء ويقول ما يحلو له ولو كان هُراءا؛ فهو الحقّ عند عُبّاد الجيوب. وأما الفقير،  فيا ويحه أن ينبس بكلمة، فالعيون فيه شاخصة، والملاحظات كثيرة، والعقاب قريب. واسمع لهذه الطرفة: شكا الفقير الفأر إلى أصحابه قائلا: "أرأيتم ما فعل بي الملعون، إنه أكل شِرك نعلي". فقالوا: " هذا مستحيل، وكيف يكون للفأر القدرة على أكل الجلد؟" في حين شكا صاحب الجيوب العامرة أن الفأر أكل سيفه اليمني. قالوا: إنه يفعلها وهو قادر على ذلك."

قال: صدقت يا أستاذ إن قيمة الإنسان اليوم بما يملك إن كانت جيوبه عامرة فهو الحكيم وإن كان بليدا  أو ثرثارا، وهو السيد وإن كان غبيا. فان شفع يشفع وإن خطب يُزَوّج وإن خاطب سُمع له وإن مات له قط عُزِىَّ فان مات هو فلا أحد يعزي.

قلت: صدقت أنت أيضا . ولكن ألا ترى أنك خرجت عن  الموضوع قليلا أو أطنبت فيه؟

قال: صدقت أنت الآخر وباختصار إني سأكون رفيقك وتلميذك وخادمك الأمين وأرجو أن تصبر معي كما صبرت على معاشرتك طويلا دون أن أتكلم بكلمة إلى أن ضاق صدري،  فوخزتك بعد تروي طويل، وتردد كثير من المرات إلى هذا اليوم الذي انطلق فيه لساني،  واسمح لي إن كنت ثرثارا في بعض الأحيان.

قلت: قل ما شئت وعبّر بما شئت لتكون ديموقراطيا ونحن نقول في مثلنا الشعبي : إيلا شفت زُوج متعاشرين الدّرك على واحد .

 والآن نبدأ  جولتنا مع ما تسمع وما أرى وأسمع وألاحظ.



[1] بطرا: تكبرا واعجاب بالنفس

[2] عُقد: جمع عقدة كل ما يربط ويشد

[3] نقد: دراهم

[4] محاله: أي مكان

[5] الكرخ: مكان

[6] سوادي: أعرابي

[7] La Fontaine

[8] Hysope

[9] قول الشعر

[10] La Bruyère

صفحة الفايسبوك

التسجيل في الموقع

  • صلاح
  • kadchahed

فيــــــــــــديو : الجزائر نظرة من عل